في مزارع الخنازير الحديثة واسعة النطاق، تُعدّ اضطرابات التكاثر لدى الخنازير ظاهرة شائعة، وهناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي إلى هذه الاضطرابات، مثل: التزاوج الداخلي، ونقص العناصر الغذائية في العلف، والإجهاد البيئي، والعدوى البكتيرية، والعدوى الفيروسية، وغيرها، مما يُسبب خسائر اقتصادية كبيرة للمزارع. كما أن بعض الخنازير تلد قبل الأوان، أو تُنتج مواليد ميتة، أو تُجهض، أو تُعاني من امتصاص الأجنة، وبعضها الآخر يُعاني من التهاب بطانة الرحم، وتراكم القيح في الرحم، وبعضها الآخر يُعاني من العقم نتيجة التزاوج لفترات طويلة. يُؤدي العقم إلى ضعف التغذية لدى الخنازير، وبالتالي إلى التخلص منها قبل الأوان. لذا، يلجأ العديد من مُلاك مزارع الخنازير إلى استخدام أجهزة الموجات فوق الصوتية البيطرية للكشف المُبكر عن اضطرابات التكاثر لدى الخنازير، ومعالجتها في الوقت المُناسب، والكشف عن ظاهرة الرحم الفارغ.
1- الموجات فوق الصوتية والموجات فوق الصوتية البيطرية
تستطيع آذاننا البشرية سماع ترددات الموجات الصوتية من 20 هرتز إلى 20 كيلوهرتز، أما الترددات الأعلى من 20 كيلوهرتز فلا نسمعها، وتُسمى هذه الموجات فوق الصوتية. تتميز الموجات فوق الصوتية بتوجيهها الجيد وقدرتها العالية على الاختراق، مما يُسهل الحصول على طاقة صوتية مركزة، خاصةً عند انتشارها لمسافات طويلة في الماء. في الطب البشري، تُستخدم الخصائص الفيزيائية للموجات فوق الصوتية لتحليل وتشخيص الأمراض. يتم توليد الموجات فوق الصوتية عن طريق إرسالها إلى جسم الإنسان، حيث تستقبل الأعضاء الداخلية الموجات المنعكسة، ثم تُعرض المعلومات المُستحصلة على الشاشة. بدأت الصين استخدام الموجات فوق الصوتية البسيطة لمراقبة كبد الإنسان عام 1947، حين كانت الصورة بالأبيض والأسود وغير واضحة، واستُخدمت في البداية للكشف عن بنية أنسجة الجنين وقياس حجمه وطوله. في ثمانينيات القرن العشرين، استُخدمت الموجات فوق الصوتية الحمراء والزرقاء، المبنية على الموجات فوق الصوتية بالأبيض والأسود، لمراقبة تدفق الدم لدى الجنين، إلا أن كلتا التقنيتين لا تُتيحان سوى مراقبة الأعضاء الداخلية من اتجاه واحد. مع التطور السريع للحواسيب، ظهرت الموجات فوق الصوتية ثلاثية الأبعاد، التي تُتيح رؤية الأعضاء الداخلية من اتجاهات متعددة عبر الشاشة، ما يُوفر صورة ثلاثية الأبعاد أكثر شمولية وواقعية ووضوحًا. ومع تطور صناعة التصوير والطباعة، ظهرت الموجات فوق الصوتية الملونة رباعية الأبعاد، التي تُتيح طباعة صور ملونة، ما يُوفر فهمًا أكثر شمولية وواقعية ووضوحًا للأعضاء الداخلية. يستخدم الكثيرون الموجات فوق الصوتية في الطب البشري لتحليل وتشخيص أمراض الحيوانات، ما أدى إلى ظهور الموجات فوق الصوتية البيطرية. تُعد الموجات فوق الصوتية البيطرية تبسيطًا للموجات فوق الصوتية البشرية، وهي سهلة الاستخدام. يُستخدم التصوير بالموجات فوق الصوتية البيطرية لإرسال الموجات فوق الصوتية إلى الحيوان، بينما تستقبل الموجات المنعكسة الأعضاء الداخلية للحيوان، ثم تُعرض معلومات الصورة المُستحصلة على الشاشة.
2. مبدأ عمل الموجات فوق الصوتية للحيوانات
يتضمن جهاز الموجات فوق الصوتية للحيوانات عمليات الإرسال والمسح والاستقبال ومعالجة الإشارة وعرضها على الشاشة، وينقسم إلى جزأين: الجهاز المضيف والمسبار. يمكن تركيب شريحة ضغط واحدة أو أكثر على المسبار، حيث تعمل هذه الشرائح بدورها على إرسال واستقبال الطاقة الصوتية، لتصبح محول طاقة. يُصنف المسبار حسب التردد إلى أنواع أحادية التردد، ومتعددة الترددات، وعريضة النطاق، وغيرها. يستخدم المسبار الموجات فوق الصوتية المرسلة من الجهاز المضيف، وعادةً ما يكون مطليًا بمادة لاصقة لتحسين التلامس مع سطح الحيوان. عند نقطة التقاء نسيجين مختلفين، تُنتج الموجات فوق الصوتية انعكاسات وانكسارات وتشتتًا وتجاوزات وانخفاضات. كما تُنتج الحركة النسبية بين مصدر الصوت والمستقبل خصائص فيزيائية أخرى، مثل تأثير دوبلر. يتم رصد زمن تأخير الصدى، الذي تُحدد شدته بناءً على بُعد العضو وطبيعته. بعد المعالجة الإلكترونية والحاسوبية، تُجمع الخصائص الفيزيائية وتُعرض على الشاشة بواسطة الحاسوب المضيف، لتُشكل صورًا مختلفة. المكون الرئيسي للموجات فوق الصوتية هو ما يُعرف بمسبار الموجات فوق الصوتية، والذي يحتوي على مجموعة من محولات الطاقة الداخلية، ويتكون من بلورات خاصة ذات تأثير كهرضغطي. تتميز هذه البلورة الكهرضغطية بخاصية فريدة، وهي أنه عند تطبيق جهد كهربائي في اتجاه محدد، تتشوه البلورة، وعند تشوهها، يتولد جهد كهربائي في الاتجاه المقابل، مما يؤدي إلى تحويل الإشارات الكهربائية إلى موجات فوق صوتية.
3. جهاز الموجات فوق الصوتية البيطرية في علاج اضطرابات التكاثر لدى الخنازير: تطبيقات عملية
3.1 يمكن لجهاز الموجات فوق الصوتية البيطرية مراقبة نمو الجريبات والإباضة، مما يوفر أساسًا علميًا موثوقًا به لتحديد وقت التكاثر وتحسين معدل التكاثر.
الخنزيرة حيوان ذو دورة شبق متعددة مستمرة، فما دامت بالغة جنسيًا، تمر بدورة شبق كل 18 إلى 23 يومًا تقريبًا، وفي حال عدم التزاوج، تتكرر الدورة. كما تُظهر مبايض الخنزيرات تغيرات دورية مع دورة الشبق. قبل يومين إلى ثلاثة أيام من بدء الشبق، تبدأ الجريبات بالتضخم بسرعة حتى 18 ساعة بعد الشبق. وتكون الجريبات غير متناسقة في الحجم، وتكون الجريبات الناضجة حمراء اللون. غالبًا ما تُلاحظ في الخنزيرات "جريبات نزفية" نتيجة لتسرب الدم إلى تجويف الجريب بسبب احتقان الشرايين. وعند ظهور منطقة شفافة في قمة الجريب، فهذا يدل على قرب الإباضة. يكتمل تكوين الجسم الأصفر في اليوم السادس إلى الثامن من دورة الشبق، ويستمر إفرازه حتى اليوم السادس عشر، ثم يتلاشى بسرعة. يكون الجسم الأصفر للخنزيرة أحمر داكن في البداية لأن التجويف ممتلئ بجلطات دموية حمراء داكنة متخثرة، ويتغير تدريجياً إلى اللون الأرجواني الفاتح بحلول اليوم الخامس عشر من دورة الشبق، وإلى اللون الأصفر الفاتح بحلول اليوم الثامن عشر، وإلى اللون الأبيض لاحقاً (انظر الشكل 1).
الشكل 1: مرحلة نضج بصيلات الخنزيرة
3.2 يمكن للمراقبة المبكرة للحمل بواسطة أجهزة الموجات فوق الصوتية البيطرية أن تكشف عن الخنازير غير الحوامل في وقت مبكر يصل إلى 18 يومًا بعد التزاوج، مما يتيح الوقت للعلاج المبكر وفقًا لذلك.
الشكل 2: الخنزيرة ليست حاملاً
إذا لم تكن الخنزيرة حاملاً، فلن يظهر كيس الحمل، وسيُظهر التصوير بالموجات فوق الصوتية البيطرية سحابة بيضاء باهتة (انظر الشكل 2). أما إذا كان هناك سائل أمنيوسي، فسيتكون كيس حمل صغير بعد 18 يومًا من التزاوج، ويُعدّ الوقت الأمثل للمراقبة من 25 إلى 30 يومًا بعد التزاوج، حيث يبدو كيس الحمل في هذا الوقت كدائرة سوداء منتظمة وواضحة، وتمثل هذه الدائرة عدد رؤوس الخنازير (انظر الشكل 3). يمكن ملاحظة السائل الأمنيوسي في الفترة ما بين 21 و35 يومًا من الحمل، ويكون شكله أشبه بخلية نحل، حيث تكبر الدائرة السوداء تدريجيًا، ويقل السائل الأمنيوسي تدريجيًا، ويصبح جنين الخنزيرة ككرة سوداء من الجلد تطفو في الهواء في الفترة ما بين 30 و35 يومًا. أما رحم الخنازير غير الحامل، فلا تظهر فيه الدائرة السوداء في الفترة ما بين 25 و60 يومًا من التزاوج، ويظهر بشكل سحابة بيضاء مسطحة منتظمة.
الشكل 3: البذرة في اليوم 25 من الحمل
3.3 يمكن للمراقبة بالموجات فوق الصوتية أثناء الحمل الكشف عن حالات ولادة جنين ميت، والإجهاض، وامتصاص الجنين، وغيرها، بالإضافة إلى تقدير عدد الولادات. تكون الخنزيرة عرضة للإجهاض الخفي بعد 20 يومًا من التزاوج، ويُقاس الحمل بعد مرور أكثر من 20 يومًا عندما تكون الخنزيرة حاملًا بالفعل، ولكنها لا تلد لاحقًا، حيث يمتص الرحم كيس الحمل، ولا تظهر عليها أعراض الإجهاض. لذلك، يجب إجراء اختبار حمل ثانٍ بعد 35-45 يومًا من التزاوج للتأكد من حمل الخنزيرة بدقة. ستظهر على الخنزيرة أعراض الإجهاض إذا أجهضت بعد 40 يومًا من التزاوج، ويمكننا مراقبتها في الوقت المناسب من خلال المتابعة الدقيقة. إذا لم يحدث إجهاض، وإذا كشف التصوير بالموجات فوق الصوتية أن الخنزيرة حامل بالفعل، فيمكنه تأكيد حملها.
3.4 يمكن للمراقبة بالموجات فوق الصوتية أثناء الولادة تحديد حيوية الجنين وما إذا كان الجنين وجلده قد استنفدا طاقتهما. بعد 70 يومًا من الحمل، تكون عظام الخنزير الصغير قد تكلست، وتم امتصاص السائل الأمنيوسي، وفي هذه المرحلة يختفي كيس الحمل الأسود، ولا تظهر دائرة سوداء مستديرة في الصورة، بل يظهر قوس يشبه خطًا منقطًا لفقرات الخنزير الصغير (انظر الشكل 4). بعد 90 يومًا من الحمل، يمكننا رؤية قلب الجنين الصغير ينبض، وعدم وجود نبض يدل على موت الجنين. تسمح لنا المراقبة بالموجات فوق الصوتية البيطرية بمراقبة تعافي رحم الخنزيرة بعد الولادة، وتشخيص الاضطرابات التناسلية مثل التهاب بطانة الرحم، وتراكم القيح الرحمي، واحتباس السوائل. تعاني الخنازير المصابة بالتهاب بطانة الرحم من تراكم القيح واحتباس السوائل، وهو ما ينعكس في صورة الموجات فوق الصوتية البيطرية على شكل مرتبة قطنية ممزقة غير منتظمة وغير متساوية (انظر الشكل 5).
الشكل 4: خنزيرة حامل في اليوم 75
الشكل 5: خنزيرة مصابة بالتهاب بطانة الرحم مع تراكم القيح
مع تطور العصر وتقدم العلم والتكنولوجيا، يشهد قطاع تربية الحيوانات تغيرات متسارعة، فلم تعد مزارع الخنازير التقليدية تلبي احتياجات المجتمع المعاصر. وأصبحت تربية الخنازير بتقنيات متطورة اتجاهاً لا مفر منه في هذا القطاع، حيث تتطور تجهيزات المزارع الحديثة باستمرار. ويتزايد إقبال مزارع الخنازير على استخدام الموجات فوق الصوتية البيطرية، وبدأ الكثيرون بالتفكير في شرائها. إلا أن البعض يعتقد خطأً أن صغر حجم المزارع لا يناسب استخدام هذه التقنية، وهذا اعتقاد خاطئ، فالأجهزة العلمية توفر بيانات شاملة، مما يُحسّن الكفاءة، ويُمكّن من علاج أمراض الجهاز التناسلي للخنازير في الوقت المناسب، ويكشف عن حالات الحمل غير المكتمل، وبالتالي يحقق فوائد اقتصادية أكبر.
تاريخ النشر: 22 أغسطس 2023








